Saturday, March 29, 2014

مات في القمة

حضرت بالأمس عرضا لفيلم محمد رمضان "حواس" في جيزويت اسكندرية. وسبق عرض الفيلم تسجيلات للقاءات للمخرج الراحل في التليفزيون اثناء تغطية بعض القنوات لمهرجانات مصرية ودولية فاز فيها فيلمه الوحيد. عندما انتهى العرض وأضيئت القاعة ساد الوجوم الجميع. صمت مطبق وثقيل وبكاء واصوات نهنهات تأتي من جنبات القاعة. لم أتمالك نفسي. بكيت بكاءا لا يتناسب على الاطلاق مع معرفتي السطحية لمحمد. ذكرني بكائي هذا ببكائي وقت مذبحة بورسعيد والتي راح ضحيتها 72 من شباب ألتراس الأهلي في فبراير 2012. ولكي تكتمل المفارقة، تخلل لقاء محمد المسجل من قناة تليفزيونية فضائية شريط الأخبار في اسفل شاشة العرض. واضح انه كان مسجلا بعد مذبحة بورسعيد مباشرة. اذن هو القدر يتلاعب بنا كعادته....


تملكتني بعض الأفكار بعد العرض: لم لم يمهله ربه الوقت لكي يبدع اكثر واكثر؟ لم لم يمهله ربه الوقت لكي يعطي اكثر واكثر؟ لم لم يعش معنا لفترة اطول لكي نستمد منه تلك الطاقة الايجابية الغريبة والثقة واليقين بأن غدا بالتأكيد هو يوم أفضل! ما هذا الحضور الطاغي والذهن الحاضر والابتسامة الساحرة التي لن تتكرر كثيرا؟ ما تلك الموهبة التي ظهرت بقوة في فيلمه القصير المليء بالأحاسيس والمشاعر والمعاني؟ تذكرت جملة من فيلم لروبرت دي نيرو يقول فيها ان اكثر شيء محزن في العالم هو موهبة مهدرة...
The saddest thing in the world is a wasted talent

أكان يجب ان تهدر موهبة محمد الاستثنائية بهذا الشكل العبثي، ثم من بعده نادين شمس، لكيلا يختل ميزان الكون ونستمر جميعا في حيواتنا التافهة؟ لم لم أمت أنا وبقي محمد رمضان أو نادين؟ لا اريد اجابات من قبيل "بعد الشر عليكي"! أنا أعني تماما ما أقول. لا اعتقد انني كنت لأفيد هذا الكون بأي شيء بقدر افادة نادين ومحمد! ما أعنيه هو انه لو كان لزاما ان تموت روح ما لكي يستمر الكون في نظامه وناموسه الدقيق المرسوم له، اذن فلتكن روحي أنا أو روح شخص آخر هي التي تذهب، وليبق رمضان.... ليبق رمضان لأطفاله، لفنه، لشبابه، لأصدقائه، لاخواته. لبلده. فلتبق نادين لزوجها وفنها وأصدقائها.. وأذهب أنا. أنا لا أهم أحدا. لن يلتفت أحد لرحيلي. لن أثير أي ضجة. سأرحل في هدوء.

وسط تلك الأفكار التي تعصف برأسي، حاولت ان انسحب من القاعة قبل ان يعرض فيلم قصير صنعه اصدقاء محمد سجلوا فيه لحظات انتظارهم لرجوع محمد من رحلة التيه، من باب الدنيا. كنت اخاف من الانهيار بعد رؤية هذا العمل. لكن كلماتهم التي كتبوها على صفحات التواصل الاجتماعي اثناء انتظارهم لرجوع محمد استوقفتني، تسمرت... جلست على السلم ولم اكمل طريقي للباب. كانت صور محمد تتابع على الشاشة، رحلته لأسوان، تسلقه الجبال لباب الدنيا، صوره مع أطفال المناطق الأقل حظا من مهمشي هذا الوطن. صورته الشهيرة وهو ينقل البطاطين والتي أكدت لي أن كلنا مهمشون في هذا البلد الأمين...


خرجت من الفاعة ووجدت كراسة وضعها القائمون على الحفل لكي نسجل فيها كلمة لرثاء محمد رمضان. بكيت وسجلت اعتذاري لمحمد أنني لم استطع انقاذه.. أقسمت له أنني حاولت. اعتذرت له ايضا عن حقيقة أنني ما زلت أعيش بينما كان هو الذي يستحق الحياة. قلت له: أنا آسفة. انا حاولت بس ما قدرتش. قلت له: ما كانش لازم انت اللي تروح. كان المفروض ان انا اللي اكون مكانك وانت اللي تبقى....

ختم اصدقاء محمد رمضان الفيلم القصير الذي صنعوه عنه بجملة واحدة اختزلت كل شيء:
محمد رمضان: عشق الفقراء وعاش مع المهمشين ومات في القمة.


Wednesday, February 19, 2014

أنا أستحق


كرري وكرر بينك وبين نفسك: انا استحق حياة افضل من تلك الحياة. انا استحق ان اشعر بالسعادة. انا استحق ان اشعر بالنجاح. انا استحق ألا أشعر بالاحباط. أنا أستحق أن أشعر أنني لي وطن يحترمني. أنا أستحق أن أشعر بتحقيق الذات. أنا وأنتم نستحق الكثير. كرروا ورائي. كرروا. أنا أستحق حياة أفضل من تلك الحياة. أنا أستحق أن أشعر بالسعادة... أنا أستحق. نعم أستحق

التاسع عشر من فبراير 2014
الساعة 10:26 مساءا 

أمل... في رثاء محمد رمضان

كل واحد فينا بيتولد، بيستلم من البلد دي نصيبه وحصته في تلات حاجات: العجز والرخص وقلة الحيلة! هما كومبو كده! كل مواطن مصري بيستلم الحصة بتاعته مع اول صرخة بعد الولادة! آباؤنا بيورثوهالنا! استلمتوا حصصكم؟ ماسكين فيها ومتبتين؟ على فكرة ربنا اعطانا اجابة في القرآن الكريم عشان بس ما تتعبوش نفسكم وتقعدوا تقولوا نعمل ايه ونسوي ايه؟ بلاش محن ودلع مرء! ربنا كان بيكلم المصريين على فكرة في الآية دي، او انا باحب افهمها كده. ربنا قالكم التالي: "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا".
عرفتوا انتم ايه؟ "ظالمو انفسكم" نحن جميعا نظلم أنفسنا بأيدينا! وربنا اعطانا اجابة بس تعمل ايه في ناس "عمي" البصر والبصيرة. أرض الله واسعة؟ آه واسعة! انتم مستضعفون في الأرض؟ آه مستضعفون! مستضعفون بس؟ قل مذلولون مسحوقون مقهورون الخ... "تهاجروا" فيها؟ ربنا بيخاطبكم على فكرة، وانا معاكم! أما الباقي، فأرجوكم أغلقوا على انفسكم شرانيقكم وفقاعاتكم في كومباونداتكم ومنتجعاتكم وبيوتكم المقفول ببانها الحديد القبيحة عليكم. ناموا وبرطعوا وكلوا واشربوا وتكاثروا واعملوا نفسكم عايشين في بلد! عيشوا فيها واستمتعوا برخصكم وعجزكم وقلة حيلتكم! ولما تشتكوا ما تشتكوش لبني آدم زيكم! اشتكوا لربنا اللي ارسلّكم اكثر من علامة، لكنكم لا تفقهون.... اما نحن، فاتركوا لنا أرض الله الواسعة، وهنيئا لكم ضيقكم...


كن لا شيء: ده الدرس المستفاد. انت ولا حاجة: دي العظة. اسكت ماسمعلكش حس: ده اللي المفروض تعمله. 

محمد رمضان. صديقي عبر الفيسبوك اللي الحمد لله ما عرفتوش عن قرب. ربنا برضه كريم حليم وحماني من وجع القلب اللي شايفاه في صحابه المكلومين. لكم مني سلام ودعوة من القلب ان يخفف الله عنكم ألمكم ويصبركم. اصبروا وصابروا واحتسبوا.

محمد رمضان شاب مصري أصر انه يتنازل عن حصته في العجز والرخص وقلة الحيلة ويوهب الأمل والبسمة لفاقديها، لكن برضه ده ما شفعلوش.

Wednesday, February 12, 2014

يا خاسااارة


اتذكر في صيف عام 1991، كنا في اجازة تانية ثانوي وبنستعد لثانوية عامة، وكنا لسه بنسخن عشان الدروس وبنبتدي على خفيف. المهم بقى ايه، كان عندنا معسكر كشافة جيرار في مرسى مطروح واخدت أجازة من الدروس عشان اقدر احضر المعسكر، كنت وقتها مساعدة قائدة وكان عندنا عرف اننا في المعسكر، وعلى عكس شغلنا طول السنة في الكشافة وتقسيمنا في مراحل سنية ليها اهدافها وطريقة شغلها، بنتقسم في المعسكرات بطريقة مختلفة. بنتلخبط على بعض ونتقسم فرق من 6 لتمن فرق مثلا على شرط ان كل فرقة تبقى فيها من كل المراحل السنية. وكمان كان بيبقى مساعدات القائدات هما العرفا بتوع الفرق او قادة الفرق في المعسكر. وبيبقى في كل خيمة فريق كوكتيل من ابتدائي لاعدادي وثانوي بقائدة الفريق والمساعدة بتاعتها اللي بتبقى اصغر مني بدفعة. المعسكر ده كان من احلى المعسكرات اللي حضرتها في حياتي، عشان اولا كان دمه خفيف جدا ومسخرة وكان فيه حفلات سمر عالمية عملنا فيها فقرات لحد دلوقتي بافتكرها مع صحابي، ولسبب تاني ان الفريق بتاعنا كسب على مستوى المعسكر كله احسن اي افضل روح عمل بين الفريق وكمان كسبنا في دوري المعسكر مع اننا كنا كلنا ضايعين وبطيخ في اللعب! بس جينا على نفسنا وكسبنا عتاولة في الفريزبي ونط الحبل والبيسبول وطبعا كسبنا فرقة كارين اللي فرقتها كانت من اكتر الفرق اللي بتكتسح! اه وكمان كسبنا الفريق بتاع ميادة حماس قناص في الطبق الطاير!!!
المهم وصلنا مطروح على الضهر كده ولقينا مجموعة كشفية معسكرة قبلنا بس كانت حاتمشي تاني يوم وصولنا. يعني اول يوم وصولنا هو اخر يوم ليهم في المعسكر. وطبعا دي كانت حاجة مش مبشرة لأن جرى العرف ان اخر يوم في المعسكر بيبقى في حفلة سمر وليلة ليلاء للمجموعة اللي بتودع ارض المعسكر! ده معناه اننا شكلنا مش حانعرف ننام بالليل بما ان الأرض متقسمة بينا وبينهم! والأهم والأسخف بقى ان ده معناه اننا حاننصب الخيم مرتين! يعني حانزنق نفسنا اول ليلة في عدد خيام اقل في الأرض عشان تاني يوم وبعد رحيل الفريق ده حاننصب خيام زيادة في ارض المعسكر يعني حانعمل شغل دوبل! 
المهم بقى عدى اول يوم كويس لحد ما جينا لوقت حفلة السمر اللي بيختم بيها جيراننا اللي مشاركينا الأرض في المعسكر التاني. طبعا معروف للكشافين القدامى ان حفلة سمر ختام المعسكر دي بتبقى هي الهايلايت بتاع الاسبوع كله. اتذكر ان المجموعة اللي كانت معسكرة قبلنا دي كانت من اسكندرية بس كشافة بحرية، وليهم طابع مختلف كده! 
اتعشينا احنا ودخلنا ننام من هنا، وابتدت الحفلة اللوزعية من هنا! مشكلتنا ما كانتش اننا بنحاول ننام! ابسلوتلي! مشكلتنا كانت في حاجتين! اولا اسلوب قائد حفلة السمر، كان بيقودها كأنه في فرح بلدي! طبعا اتضح ان ده العادي واننا احنا اللي فافي! الحاجة التانية الأغاني اللي بيغنيها القائد ده! يختييييي! كان معلق على اغنيتين بالذات! 
أغنية منهم كانت كالتالي – مع العلم انه كان بيقول سطر والولاد بيردوا عليه: مرة من ذات المرات (والولاد يرددوا مرة من ذات المرات)رحنا جنينة الحيوانات (والولاد يرددوا رحنا جنينة الحيوانات)شفنا فيها حاجات وحاجات ...شفنا القطة بتقول نو نو نو نو نو نو (وفجأة لقينا المعسكر كله بينونو نو نو نو نو نو)وشفنا الكلب بيقول هو هو هو هو هو هو (وهنا طبعا لقينا المعسكر كله بيهوهو هو هو هو هو)طبعا حصلت حالة هستيريا في الخيام! ولا عارفين ننام ولا نعمل اي حاجة! البنات واقعة من الضحك وبقية صحابي برضه في خيامهم مش عارفين يسيطروا وصراحة الموضوع كان يضحك فعلا! 
نيجي بقى للأنشودة التانية واللي كانت هي التحلية بتاعة حفلة السمر وكانت واخدة سوكسيه عالي عالي عالي في معسكر الجيران. كانت بتقول كده:يا خاساااارة العشج فيه – والولاد يردوا العشج فيه (يقصد يا خسارة العشق فيه بس كان بيفتح كل حاجة في كلمة خسارة لسبب لا يعلمه الا الله)يا خاساااارة الشوج اليه (يقصد يا خسارة الشوق اليه)ثم يعيد الكرة يا خاساااارة العشج فيه - يا خاساااارة الشوج اليه وعشان يسخن الأرض يروح قايل كلمة كده عشان الولاد يصحصحوا فيقول ايه بقى؟ هوباااا فالولاد يسخنوا ويقولوا هما كمان هوبااا فتبقى الأغنية كالتالي:يا خاساااارة العشج فيه – العشج فيه يا خاساااارة الشوج اليه - الشوج اليههوبااااا 
طبعا الخيمة بتاعتي اللي كان فيها ايمان متولي وعبير بروس لي وبقية اعضاء الفريق كنا ميتين على روحنا من الضحك وبنغني معاه ونيجي عند هوبا دي نقلد الراجل وهوباااا ولا نمنا ولا اتنيلنا! المهم عدت الليلة على خير ونمنا متأخر جدا وده أثر في بقية ايام المعسكر! المشكلة بقى مش في اننا ما نمناش او ان الأغاني كانت غريبة! المشكلة اننا على مدار سبع ايام المعسكر كنا ما بنغنيش الا الأغنيتين دول: مرة من ذات المرات ويا خاسااارة العشج فيه وهوباااااا! وكانت هوبا دي كفيلة انها تقوم المعسكر كله على رجل! وهوباااااا
مش عارفة ليه افتكرت كل ده دلوقتي! بس كل اللي انا عارفاه ان المعسكر ده من اجمل الذكريات اللي عدت عليا! يمكن اللي حايقرا حايقول ايه الهبل ده! بس بالنسبة لنا ما كانش هبل ولا حاجة! دي كانت كل حياتنا وقتها! وده اللي باقيلي من ذكريات عمري ما حانساها!

Sunday, January 19, 2014

أوراق مبعثرة

محاضر اجتماعات حزبية يعود تاريخها لما قبل 2011 
خطاب قديم من شركة يونيليفر يعلمني بالزيادة السنوية لمرتبي
روشتات علاجي من كسر قديم بالقدم
ايصالات شراء ماكياج من محل وجوه 
ايصال الاشتراك السنوي بجمعية المرشدات
 كتالوج موبايل اتش تي سي
ايصالات ايجار شقة كنت قد استأجرتها بالقاهرة وكانت تقع خلف الكلية الحربية
ايصال شراء بقالة من سوبر ماركت تحت بناية كنت أقطنها خلف نادي هليوبوليس. أتذكر انني كنت احوم حول تلك البناية وقت اشتباكات مذبحة الاتحادية وكأنني استمد منها شعورا ما بالأمان.
سيرة ذاتية قديمة، عبارة عن صفحتين فقط –حاليا أقوم بضغطها بالكاد في خمس صفحات لكي تبدو أكثر مهنية.

أوراق مبعثرة... طالتها عملية فرز لأرفف مكتبتي منذ قليل! صاحبتها حالة مألوفة لدي من الفلاش باك والنوستالجيا. أرجعتني حوالي ثمان سنوات للوراء، وجدت معها مجموعة كتب قيّمة كنت أدخرها للقراءة في وقت لاحق ولم اجد الوقت الكاف لها عبر تلك السنوات!

وكأنني كنت أقلب في أوراق شخص آخر غريب عني! سؤال ملح دار في عقلي: "إزاي في السنين دي قدرت انتقل من مكان لمكان ومن بلد لبلد ومن شخصية لشخصية كده؟ ده حتى نوعية الكتب اختلفت!" من روايات عاطفية ودواوين شعر لسير ذاتية لشخصيات سياسية عالمية وتجارب تحول ديمقراطي..

مرة أخرى أتصفح اوراقي وانا على اعتاب مرحلة أخرى جديدة ومختلفة ... تأكد لي بعد هذه الجولة الصباحية في تلابيب الذاكرة، أنني دائمة الترحال، لا منتمية، على أهبة الاستعداد للسفر، مواطنة "عالمية" على حد تعبير صديقة لي، أرغب في التغيير بشكل دائم، أعد حقائبي في نفس سهولة استخدامي لريموت كنترول التليفزيون، بدون أي مجهود يذكر.

لا أعرف كيف ومتى أصبحت هكذا... فأنا ابنة بارّة للطبقة الوسطى المحافظة بكل ما تحمله من قيم ثابتة وسلوكيات تميل للاستقرار وعدم الميل للتغيير بسهولة... قيم ترسخت عبر سنوات الستينيات التي يفتخر أبي وأمي بالانتماء اليها.  أعلم أنني بالنسبة اليهما الطفل المختلف الذي يسبب لهما أرقا دائما برفضه للمألوف. أرفض بشكل تلقائي الدور المكتوب لي ولكل فتاة من جيلي ومن أجيال سابقة اعتادت على توارثه عبر الأزمان... رفضته أنا، ليس عن شجاعة ولكن لأن الظروف اضطرتني لرفضه ليس الا. وليس في هذا أي ادعاء زائف للبطولة.

أبدأ في مطلع الشهر القادم مرحلة جديدة لاكتشاف نفسي، دراسة جديدة سأبدأها في مجال جديد اكتشفت ميلي اليه خلال السنوات الماضية، لا أعلم ان كنت سأنجح ام لا، لكنني اعتدت على التجريب، لن يضيرني شيء! لا أخفي عليكم، لم اعتد الفشل قط. الفشل. تلك الكلمة التي لم نكن نجرؤ على النطق بها وقت أن كنا تلميذات صغيرات في تلك المدرسة الفرنسية ذات التربية الكاثوليكية الصارمة التي لم تكن تقبل عن النجاح والتفوق بديلا، تلك التربية التي جعلتني في حالة دائمة من الشعور بالذنب... والتي شكلت وجداني وعقلي والتي جعلتني ما انا عليه الآن.  

شعور ملح انتابني فجأة جعلني اترك لوحة المفاتيح وأنهي ما أكتبه ولو بدا غير مكتمل ، لكي أستكمل البحث في أوراقي المبعثرة في أرجاء الغرفة. أحتاج لتلك الشحنة التي تبعثها تلك الأوراق وتلك الذكريات. أحتاج لتلك الشحنة لكي أستعين بها لمواجهة ما هو آت...

مشيرة صالح
سيدي جابر، الاسكندرية

19 يناير 2014 

Tuesday, January 7, 2014

دي الحيطة المتينة

في مفارقة نادرا ما تحدث نظرا لذكائي المتقد وألمعيتي المبهرة ولأني دايما بافهمها وهي طايرة، تبين لي انني فهمت بعض كلمات اغنية المطربة عفاف راضي "ياللا بينا" بصورة خاطئة. الأغنية من كلاسيكيات أغاني الأطفال ويقول مطلعها: ياللا بينا ياللا ياللا ياللا ياللا بينا. دي الشموسة طلّة طلّة وبتنده علينا.


 في كوبليه من الكوبليهات تخاطب فيه عفاف ابنها وتقول له:
علشان انت هادي انا حاخدك للنادي

ننزل حمام السباحة نعوم زي السفينة

وحانركب مراجيح تعلى في قلب الريح

ياللا يا روحي اركب ما تخافشي 

دي الحبال متينة! 

اثناء طفولتي كان والدي يدللني كثيرا! كان يعلم انني احب المراجيح جدا! ولم اكن مشتركة في نادي كي استطيع ان امارس لعبتي المفضلة. يا دوبك كنت اذهب لقصر ثقافة سيدي جابر حيث كان به بعض الألعاب البسيطة، وأحيانا كنت اذهب مع اصدقائنا المشتركين في نادي سموحة لكي نشاركهم اللعب هناك. وكنت مدمنة مراجيح!

وفي صباح يوم تاريخي، قرر والدي ان يقوم بتركيب مرجيحة لي في المنزل! لم أصدق ان حلمي يمكن ان يتحقق! وقرر أبي في حركة جدعنة وحب شديد لي ان يثبت لي مرجيحة ليس في فراندة جدتي ولا في بلكونتنا، لكن في قلب المنزل ذاته! في حلق باب غرفة المعيشة! قام بتركيب مسمارين كبار، وثبت فيهما حبال مناسبة، ثم قام باحضار قطعة خشب مستطيلة اقصر قليلا من عرض حلق الباب، بما يسهل حركتها، تلك الخشبة ستكون بمثابة كرسي المرجية الذي سأجلس عليه، ثم قام بعمل ثقوب في الأركان الأربعة لتلك الخشبة المستطيلة لكي نثبت فيها الحبال! كانت الحبال متينة بالفعل!

لعبت كثيرا على تلك المرجيحة! كنت طفلة يرضيها اي شيء! وكانت مرجيحتي بالاضافة لمجلة ماجد والغاز المغامرين الخمسة هي قمة متعتي! ما زلت اتذكر تلك الفرحة العارمة عندما دشننا تلك المرجيحة والتي لا تضاهيها الا فرحتي بالعدد الجديد لمجلة ماجد او لغز من الغاز المغامرين الخمسة والذين اعتاد ابي على شرائهم لي كل اسبوع بما لا يعطلني عن المذاكرة.  

لم أعلم الى الآن لماذا وكيف كنت أغني تلك الأغنية بكلمات مختلفة تماما. كنت عندما أدندنها، أغنيها بدقة متناهية ما عدا في مقطع: ياللا يا روحي اركب ما تخافش دي الحبال متينة! كنت أغنيها انا كالتالي: ياللا يا روحي اركب ما تخافش دي الحيطة المتينة! كنت، وما زلت، مقتنعة تماما بأنها تقصد الحيطة المتينة التي كان والدي يثبت فيها المرجيحة!

كلمات الأغنية هنا تدلل على قوة ومتانة المرجيحة وعدلم قابليتها للسقوط، كما كان والدي يثبت مرجيحة متينة لا تسبب لي اي ضرر جسدي من جراء السقوط او "الانقلاب"، فتصورت بالطبع انها تصف الحيطة وليست الحبال بأنها متينة...

لم اكتشف هذه المفارقة الا منذ عدة ايام عندما سمعني صديق لي ادندن الأغنية وفوجئ بكلماتي التي استبدلت بها كلمات اإتية الأصلية! بالطبع كنت مادة للضحك، ولم استطع اقناعه بسبب غنائي لها بهذه الطريقة! ولم اكتشف السبب الا عندما عدت للمنزل في الاسكندرية. 

الغريب انني لم أتذكر كل تلك التفاصيل الا الآن بالرغم من أننا لم نحتفظ بأي صورة لتلك المرجيحة او لنا ونحن نلعب عليها! وكأن تلك التفاصيل والمنمنمات، حفظت في مكان أمين منذ عشرات السنين، درج مسحور، أغلق عليها، ولم أكتشفه الا الآن لكي تتداعى الصور الواحدة تلو الأخرى، أستحضر فيها تلك اللحظات لكي تذكرني بطفولة هنيئة كان يرضيها أقل القليل... حتى ولو كانت مرجيحة مثبتة في باب الغرفة...   

مشيرة صالحالسابع من يناير 2014
   

ربيع 1980

ربيع 1980 
مدرسة جيرار الصغيرة كليوباترا شارع بورسعيد - كنا بنسميها الصغيرة عشان كان في فرع تاني للمدرسة فيه الابتدائي والاعدادي كنا بنسميه جيرار الكبيرة، وكانت في بولكلي
سنة اولى ابتدائي
تاني صف من فوق
تالت واحدة من الشمال
لابسة طوق ابيض على شعري

متحفزة كعادتي. 
البنت اللي واقفة على شمالي وشكلها اجنبي اسمها ميلاني ريشار وكانت صاحبتي. هي بنت فرنساوية قعدت معانا سنة واختفت من حياتنا فجأة كما دخلتها فجأة! المهم انا وهي اتفقنا نقف وقفة متحفزة، "موست بروبابلي" سخافة مش اكتر! طبعا انا أفورت كالعادة وطلعت اوت واتسجلت للتاريخ! 

امي لم تغفر لي قط تلك الصورة حتى الآن! وفاكرة كلامها ليا لما جبتلها الصورة! سألتني ليه تعملي كده؟ ليه ما ضحكتيش زي بقية صحابك! قلتلها ما معناه انا كنت حابة اقف كده واتفقت مع ميلاني على كده وما كانش ينفع ارجع في كلامي معاها، ده غير اني شايفة شكلي حلو جدا ومختلفة عن الباقيين! ملحوظة: واضح ان ميلاني باعتني وما عملتش الوقفة اللي اتفقنا عليها وانا اللي التزمت باتفاقنا... عادتي ولا حاشتريها...